ابن قيم الجوزية
649
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
قال : « الدرجة الثانية ، طمأنينة الروح في القصد إلى الكشف ، وفي الشوق إلى العدة . وفي التفرقة إلى الجمع » . « طمأنينة الروح » أن تطمئن في حال قصدها . ولا تلتفت إلى ما وراءها . والمراد بالكشف : كشف الحقيقة ، لا الكشف الجزئي السفلي . وهو ثلاث درجات : كشف عن الطريق الموصل إلى المطلوب ، وهو الكشف عن حقائق الإيمان . وشرائع الإسلام . وكشف عن المطلوب المقصود بالسير : وهو معرفة الأسماء والصفات . ونوعي التوحيد وتفاصيله . ومراعاة ذلك حق رعايته . وليس وراء ذلك إلا الدعاوى والشطح والغرور . وقوله « وفي الشوق إلى العدة » . يعني أن الروح تظهر في اشتياقها إلى ما وعدت به وشوّقت إليه ، فطمأنينتها بتلك العدة : تسكن عنها لهيب اشتياقها . وهذا شأن كل مشتاق إلى محبوب وعد بحصوله إنما يحصل لروحه الطمأنينة بسكونها إلى وعد اللقاء . وعلمها بحصول الموعود به . قوله « وفي التفرقة إلى الجمع » . أي وتطمئن الروح في حال تفرقتها إلى ما اعتادته من الجمع ، بأن توافيها روحه . فتسكن إليه وتطمئن به ، كما يطمئن الجائع الشديد الجوع إلى ما عنده من الطعام ، ويسكن إليه قلبه . وهذا إنما يكون لمن أشرف على الجمع من وراء حجاب رقيق . وشام برقه . فاطمأن بحصوله . وأما من بينه وبينه الحجب الكثيفة : فلا يطمئن به . قال : « الدرجة الثالثة طمأنينة شهود الحضرة إلى اللطف ، وطمأنينة الجمع إلى البقاء . وطمأنينة المقام إلى نور الأزل » . هذه الدرجة الثالثة تتعلق بالفناء والبقاء . فالواصل إلى شهود الحضرة : مطمئن إلى لطف اللّه . و « حضرة الجمع » يريدون بها الشهود الذاتي . فإن الشهود عندهم مراتب بحسب تعلقه . فشهود الأفعال ، أول مراتب الشهود . ثم فوقه : شهود الأسماء والصفات . ثم فوقه ، شهود الذات الجامعة إلى الأفعال والأسماء والصفات . والتجلي عند القوم : بحسب هذه الشهود الثلاثة . فأصحاب تجلي الأفعال : مشهدهم توحيد الربوبية . وأصحاب تجلي الأسماء والصفات : مشهدهم توحيد الإلهية : وأصحاب تجلي الذات : يغنيهم به عنهم . وقد يعرض لبعضهم بحسب قوة الوارد وضعف المحل عجز عن القيام والحركة . فربما عطل بعض الفروض ، وهذا له حكم أمثاله من أهل العجز والتفريط ، والكاملون منهم قد يفترون في تلك الحال عن الأعمال الشاقة ، ويقتصرون على الفرائض وسننها وحقوقها . ولا يقعد بهم ذلك الشهود والتجلي عنها ، ولا يؤثرون عليه شيئا من النوافل والحركات التي لم تعرض عليهم البتة . وذلك في طريقهم رجوع وانقطاع . وأكمل من هؤلاء : من يصحبه ذلك في حال حركاته ونوافله ، فلا يعطل ذرة من أوراده ،